خليل الصفدي
184
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ردّك يا بن أخي ؟ قال قلت أبياتا فأحببت أن أعرضها عليك ، قال : هاتها ، فأنشده وبثينة تسمع : [ من الطويل ] فقلت لها عزّ أرسل صاحبي * إليك رسولا والرسول موكل بأن تجعلي « 1 » بيني وبينك موعدا * وأن تأمريني بالذي فيه أفعل وآخر عهدي منك يوم لقيتني * بأسفل وادي الدّوم والثوب يغسل فضربت بثينة جانب خدرها وقالت : إخسأ إخسأ ، فقال لها أبوها : مهيم يا بثينة ؟ قالت : كلب يأتينا إذا نوّم الناس من وراء الرّابية ثم قالت للجارية ، ابغينا من الدّومات حطبا لنذبح لكثيّر شاة ونشويها له ، فقال كثير : أنا أعجل من ذلك . وراح إلى جميل فأخبره الخبر ، فقال جميل : الموعد الدّومات وخرجت بثينة وصواحبها إلى الدّومات ، وجاء جميل وكثيّر إليها فما برحوا حتى برق الصبح ، فكان كثير يقول : ما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير صاحبه ما أدري أيهما كان أفهم . وقدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز بن مروان ممتدحا فأذن له وسمع مديحه وأحسن جائزته وسأله عن خبّ بثينة فذكر وجدا كثيرا فوعده في أمرها ، وأمره بالمقام وأمر له « 2 » بمنزل وما يصلحه . فما أقام إلّا قليلا حتى مات هناك سنة اثنتين وثمانين للهجرة . وقال عباس بن سهل الساعدي : بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال لي : هل لك في جميل فإنه ثقيل « 3 » نعوده ؟ فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه فنظر إليّ ثم قال : يا بن سهل ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قطّ ولم يزن قط ولم يقتل النفس ولم يسرق ، يشهد أن لا إله إلّا اللّه ؟ قلت : أظنه قد نجا وأرجو له الجنة فمن هذا الرجل ؟ قال : أنا . قلت : واللّه ما أحسبك سلمت وأنت
--> ( 1 ) في الأصل : يجعلى . وما هنا عن الأغاني والوفيات . ( 2 ) في الأصل ( وأنزله ) وما هنا عن الوفيات . ( 3 ) في الوفيات : يعتل .